الشيخ محمد رشيد رضا

93

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من قوله تعالى ( قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) وقد فسروا البصيرة بالحجة الواضحة ولا يشترط في صحة الايمان بنبوته صلّى اللّه عليه وسلّم النظر الاستدلالي المعروف عند المتكلمين بل يكفي فيها اطمئنان النفس لصدقه بمعرفة حاله وحسن ما دعا اليه . ولكن مرتبة الدعوة إلى اللّه وإثبات دينه بالحجة لا يرتقي إليها كل مؤمن به صلّى اللّه عليه وسلّم هذا وان في قوله تعالى ( لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً ) بحثا فقد يشكل هذا العموم فيه على بعض الافهام ، وقد بين له الأستاذ الامام ثلاثة أوجه ( أحدها ) ان معناه لا يستعملون عقولهم في شيء مما يجب العلم به بل يكتفون فيه كله بالتسليم من غير نظر ولا بحث وهو ما مر ( وثانيها ) أنه جار على طريقة البلغاء في المبالغة بجعل الغالب أمرا كليا عاما . يقولون في الضال في عامة شؤونه : انه لا يعقل شيئا ولا يهتدي إلى الصواب . ويقولون في البليد : انه لا يفهم شيئا ، وهذا لا ينافي أن يعقل الأول بعض الأشياء ويفهم الثاني بعض المسائل ( وثالثها ) انه ليس الغرض من العبارة نفي العقل عن آبائهم بالفعل ، وإنما المراد منها : أيتبعون آباءهم لذواتهم كيفما كان حالهم حتى لو كانوا لا يعقلون ولا يهتدون ؟ كأنه يقول إن اتباع الشخص لذاته منكر لا ينبغي ، وهذا قول مألوف ، فمن يقول أنا أتبع فلانا في كل ما يعمل ، يقال له أتتبعه ولو كان لا يعمل خيرا ؟ أي ان من شأن من يتبع آخر لذاته لا لكونه محسنا ومصيبا أن يتبعه في كل شيء وإن كان كل عمله باطلا ، لأنه لا يفرق بين الحق والباطل والخير والشر إلا من ينظر ويميز ، وهذا لا يتبع أحدا لذاته كيفما كان حاله * * * ( 171 ) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ * * * بعد ما بين تعالى فساد ما عليه المقلدون من اتباع ما وجدوا عليه آباءهم من غير نظر ولا استدلال ، ضرب لهم مثلا زيادة في تقبيح شأنهم ، والزراية عليهم ، بقوله وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي صفتهم في تقليدهم لآبائهم ورؤسائهم كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً أي كصفة الراعي للبهائم